المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : دمعة الأديب اليتيم


ضد الهلال
03-01-01, 05:30
بسم الله الرحمن الرحيم
هذه المقالة للأستاذ حمد القاضي الكاتب والأديب الكبير المعروف ورئيس تحرير المجلة العربية بالمملكة العربية السعودية قالها رثاء ا في والده والحقيقة أنها كلمة مبكية مؤثرة للذين يعشقون الأدب الجميل هذه الكلمة كتبها في جريدة الجزيرة السعودية بعنوان (دمعة عليك ياأبي) بتاريخ الأول من ذي القعدة لعام1406 :
لكم أحس أن حروفي عاجزة عن تجسيد دموعي الحرى.
لكم كان هذا القلم مطواعا بين يدي .
مالي أراه الآن كسير الجناح عاجزا غير قادر على بلورة تلك المشاعر التي تتلظى بين ثنايا قلبي ..!!
هل القلم يحزن كما يحزن البشر..!؟
هل الحروف تعرف هي الأخرى مرارة الألم.. ولظى المفجعين..وظمأ الفقر..ونار اليتم !!
لاأدري..!
ولكني يا أغلى الناس بعد موتك أحسست أن أشياء ا كثيرة ماتت في نفسي.. ترمدت في أعماقي قبرك وقلبي و قلبي ..!
جميعها سكنها الموت وغطاها التراب معا .
يا أغلى الناس ..!
عندما جاء نعيك الي عبر الهاتف المشؤوم .. حملت النعي عبارة أحس الآن أنها جمرة تتوقد في سمعي (والدك يطلبك الحل)!
هكذا-ببساطة- تطلب الحل يا والدي تموت..تغادر الدنيا ..ترحل من قلبي الى قبرك ..كأنك مسافر وستعود .. لا إنها رحلة أبدية ولكن الى جنات النعيم بإذن الله ..!
آه ما أقساك أيها الموت!
كيف لمشاعرنا الرقيقة أن تتحمل قسوتك .. وتستسلم لاتنهار وأنت تأخذ من أحداقنا أعز الناس.. ومن حدائقنا أوفر الزهور حبا وحنانا..!!
يا رب رحماك..!
فلولا الإيمان بك والرجاء فيك والعزاء بالأمل بلقياك ثم لقاء الراحلين عنا بالدار الباقية لظلنا نندب أحبابنا .. ونبكي أمواتنا أثناء الليل وأطراف النهار ..!
لكنه الإيمان بك وبقدرك (كل نفس ذائقة الموت) . ذلك يمنحنا رائحة الاطمئنان..
أبتاه… ياأعز الناس
مشهد رهيب لا تستطيع مشاعري إعادته عندما كنت في المقبرة ..
كنت أراك يا أعز الناس وأنت توضع في قبرك.. في مثواك الأخير.. ينزعون عنك لباس الدنيا ..هربت يا أبي من المشهد لم تستطع قدماي أن تحملاني.. وأنا أرى التراب يهال على قبرك ..لتكون تلك هي النظرة الأخيرة .. وما أقساها من نظرة.!!
لكن..
كم هي رحمة الله واسعة .. فلولا النسيان.. نسيان الموت .. نسيان ذلك الموقف الرهيب الذي ما حسبته يرحل عن مقلتي وأنت تغادر قلبي الى قبرك .. لولا هذه النعمة لظللت على قبرك باكيا أبدا ولكن رحمة الله واسعة .. فالله الذي أخذ هو الذي أعطى .. ورحمة الله قريبة من المؤمنين..
أبتاه يا أعز الناس ..
كلمات التي كنت أقولها وأسمعها وأرددها في سنواتي الماضية لم يكن لها نفس الوقع وأنا أسمعها عزاء ا فيك ..وتعزية بفقدك ..كان لوقع كلمات (عظم الله أجرك)و(أحسن الله عزائك ) أمر آخر أشد حزنا .. فأنا أعزى في أعز الناس.. وأواسى في فقد أغلى الناس ..
قبلك يا أبي رحلت أمي.. وبقي رحيل حنانها حرمانا مقيما بين أضلاعي .. لكن لم أدرك في وقتها ..كنت ابن ست سنوات .. وصدقت أنها قد سافرت الى مكة المكرمة لتحج وتأتي ي بهدية .. وبعد سنين عرفت أنها لم تسافر إلى مكة بل هي قد غادرت قلب طفلها إلى دنيا أخرى فلم تعد كما قالوا لي-كما قالوا لي- ولم تأت بهدية ..!
الموت هو الحقيقة الكبرى في هذه الحياة .. كل الحقائق قد يشوبها الشك.. وقد يتلبسها زيف الشكل
لكن الموت يبقى الحقيقة الصارخة .. يظل اليقظة في نوم الحياة ..
يا رب .. كل شيء هالك..إلا وجهك فارحمنا برحمتك..واجبر كسر قلوبنا عندما تتكسر صدورنا بفقد بعضها من الساكنين فيها والمقيمين بين حناياها ..
يا رب عند فقد الغاليين علينا.. تزول حكمتنا .. ولا يبقى سوى حرارة دموعنا ..
أبي يا ساكنا بين خفقي وقلبي.
لأول مرة أحس أنك لا تسمع ندائي لك يا أبي.. لأول مرة لا ترد علي بعبارتك الودودة (سم) .. كم هو مفجع أن أحس الآن أن هذا النداء لك صوت بلا صدى .. غيم بلا مطر .. جواد بلا صهيل .. شفة غابت عنها البسمة ..!
ليس من عادتك إلا أن تجيب ندائي .. مالك هذه المرة لا تجيب .. ؟! وأنى لك أن تجيب النداء وأنت تحت التراب في قبرك الذي أسأل الله أنه قد أصبح روضة من رياض الجنة ..
و أستطيع يا أبتاه لافتديتك بالأغلى من عمري .. بالأجمل من سنواتي.. بالأزهى من شبابي . ولكنها إرادة الله وحسبنا بها رضا وتسليما .
أحسك يا أبي تفترش قسمات وجهي كل صباح صبحا هانيا مضيئا كوجه الصباح.
لقد افتقدتك نداءا حميما حبيبا عند كل صلاة تدعو إلى خير العمل.. تحثنا على أداء الصلاة .
من سيذكرني بصلة الرحم وأنت الذي كنت توصيني بالرحم صلة له وحرصا عليه..
لكم أشعر أنني مسكون بالحنين إليك والى ندائك ..كم عذب هو نداؤك ..! غياب هذا النداء عذاب
لا منجى منه إلا بعذوبة ذكر الله وراحة الإيمان به .
لك الرحمة ياأبي ولي ولكل قلب عاش مرارة اليتم خالص العزاء ولي ولكل القلوب الوفية صادق الوفاء
ولنا الله جميعا لنا الحي الذي لايموت.....